نزل في العهد المكي من القرآن الكريم عددٌ من الآيات التي تعلّقت بغير المسلمين من خارج جزيرة العرب. فمن ذلك ما ورد في مطلع سورة الروم، حيث ذُكر الروم – وهم نصارى – وقد غُلِبوا مؤقتًا على يد الفرس، فقال تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ،
ولم يقل: غُلِبَ كُفَّارُ الروم، مع أنهم لم يكونوا مسلمين. وكذلك في سورة الفيل، حيث ذُكر أبرهة الحبشي، الحاكم غير المسلم لليمن، فلم يأتِ ذكره بوصفه «حاكمًا كافرًا»، وإنما عبّر القرآن عن جيشه بلفظ أصحاب الفيل، وهو توصيف تاريخي واقعي، لا توصيف عقدي.
وقد استُعمل لفظ الكفر والكافر في القرآن لوصف منكري الدعوة في مكة، لكن هذا الاستعمال لم يؤدِّ إلى أن يصبح لفظ «الكافر» عنوانًا عامًا يطلقه المسلمون في صدر الإسلام على كل من خالفهم في الدين. فحين هاجر رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة، لم يخاطب أهلها بلفظ «الكفار»، بل كان أول خطابٍ نبويٍّ جامعٍ لأهل يثرب خطابًا إنسانيًا عامًا، إذ قال ﷺ:
«يا أيها الناس، اتقوا النار ولو بشق تمرة».
فاستعمل لفظ يا أيها الناس، ولم يستعمل خطابًا إقصائيًا أو توصيفًا عقديًا.
وكذلك كانت الحال مع القبائل غير المسلمة المحيطة بالمدينة وخارجها، فلم تُعرف في الخطاب الإسلامي الأول بأسماء من قبيل «كفار العرب» أو «القبائل الكافرة»، بل نودي كل قومٍ باسمهم المعروف، فقيل: أهل ثقيف، أهل نجران، أهل البحرين، ونحو ذلك.
وتشهد كتب التاريخ أن المسلمين في العصور الأولى، حين خرجوا من الجزيرة العربية إلى بلاد آسيا وإفريقيا، وجدوا شعوبًا متعددة الأديان والمعتقدات. ولم يكن من منهجهم أن يوسموا هذه الشعوب بوسمٍ عقديٍّ عام، بل كانوا يخاطبون كل جماعة باسمها الذي تعرّف به نفسها. فسمَّوا نصارى الشام مسيحيين، ويهود فلسطين يهودًا، ومجوس إيران مجوسًا، وبوذيي أفغانستان بوذيين، دون أن يجعلوا لفظ «الكفر» هو العنوان الغالب في التخاطب والمعاملة.
وعلى هذا النهج سار المسلمون الأوائل حين دخلوا شبه القارة الهندية، فلم يطلقوا على أهلها وصف «كفار الهند»، بل استعملوا لفظ الهندوس، وهو في أصله تعريب لكلمة سِندهو. ويُعدّ أبو الريحان البيروني (ت 440هـ / 1048م) مثالًا بارزًا على هذا المنهج العلمي والموضوعي؛ إذ رحل إلى الهند، وتعلّم اللغة السنسكريتية، وألّف كتابه الشهير عن الهند باللغة العربية، وكان يطلق على غير المسلمين هناك اسم الهندوس، لا اسم «الكفار».
وقد استمر هذا العرف الحضاري أكثر من ألف عام، ولا يزال قائمًا إلى اليوم في كثير من بلاد العالم الإسلامي وخارجه. فالمسلمون المقيمون في أوروبا وأمريكا، حيث يتعايشون مع أمم وشعوب غير مسلمة، لا يخاطبون الناس بلفظ «الكفار»، وإنما ينادون كل جماعة باسمها القومي أو الديني الذي تختاره لنفسها.
ويدلّ ذلك كله على أن مصطلح الكفر في الاستعمال القرآني له سياقه العقدي والدعوي الخاص، وليس مصطلحًا اجتماعيًا يُراد به تصنيف البشر في التعامل اليومي أو الخطاب الحضاري.
وهذا الفهم كان هو السائد في القرون الأولى، وهو الذي ينسجم مع روح القرآن والسنة، ومع التجربة التاريخية الواسعة للحضارة الإسلامية.
ابو خالد
توضيح ضروري:
طبعا، " الكفر" تغطية الحق، وإنكاره..
وهذا يتطلب تبيانا للحق وتذكيرا به..
ومن هنا، لا يطلق وصف الكفر إلا بعد التأكد من قيام الحجة الكافية مع مسارعة المنكر لها في محاربة الحق وأهله..
أما من لا يحارب الحق، ولا يغطيه جحودا وإنكارا،، فلا يوصف شرعا وخلقا بالكافر: بل هو على ما كان عليه من قوميات أو عقائد أو عادات...
وطالما أن الإكراه حتى على الحق، مرفوض شرعا (بالنص والسنة ) ومستقبح ذوقا وخلقا، وممتنع سننيا ،، فإن حرية الناس ووعيهم العقلي هما مصدرا الإستجابة فقط..
مما يعني أن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين لا تبنى إلا على حسن الخلق وحسن الجوار وحسن المعاملة!!
لأن سوء الخلق وسوء الجوار وسوء المعاملة كل أولئك يكر بالإبطال على واجب الدعوة التي هي صلب رسالة المسلمين!!
فيكون الإكراه، ومنه التكفير وكل صنوف التحكم والخداع ضمن معرقلات الدعوة !!وما هي سوى معرقلات التعايش والتعارف!!
وبرهان ضمني ناشئ من ذات التحليل:
كيف يمكن الجمع بين مقصد التعارف القرآني وذهنية التكفير لو فرضنا جدلا أن التكفير واجب !!؟؟
إذ لا تعارض بين واجب مؤكد ومقصد منصوص مؤكد!!
بقيت جزئية ضرورية لتماسك الموضوع:
ألا وهي إمكانية التصادم بين :
ضرورة التواصل والحوار الإنسانيين(حيث يدخل واجب الدعوة وخلق الإنصات ثم بناء التعارف) وبين أطماع وغطرسة القوى الطاغية في كل عصر!!
وهنا ، لا بد من تحرير فلسفي وإنضاج أخلاقي لمفاهيم :
العلاقات الإنسانية :
الدولية منها
والإجتماعية
والحضارية!!
فاستكشاف إحتمالات هذه العلاقات:
كيف يمكن أن تصير بمختلف نماذج التاريخ والواقع، هو (الإستكشاف) مصدر بناء التبصر الوقائي المسبق لدى مختلف الشعوب ومؤسساتها لتتحمل المسؤولية الكافية لتحديد المعتدي ..وتحديد حقوق وواجبات العلاقات المتعددة في عالمنا..
إذا حصل ذلك، ووثق بإجماع عالمي مشترك غير أحادي وغير منحاز ، فذلك مطلب شرعي قرآني ونبوي مؤكد
إذ الرسالة الربانية تتمحور (نصوصا ومقاصد وروحا ) حول تحقيق الرحمة للعالمين!!
وذلك لا يحصل دون كثير من أعمال وعلاقات ومناهج مسبقة!!
كلها تهدف لبناء العمران في مواجهة التخريب
والتواصل في مواجهة التناكر والتباغض
والتعاون على جعل القوى الحضارية والعلمية في خدمة الحياة والإنسانية والتوازن..
ولذلك جاء في القرآن:
(**لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين):
فحدد واجب التعارف الإنساني رغم الخلافات العقدية وما دونها
لكنه لم يترك إحتمالا واردا جدا في تاريخ مختلف العلاقات، فقرر مباشرة ضمن نفس النص:
(**إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ....) سورة الممتحنة
وبذلك يتحدد وصف الكافر من عدمه ضمن مختلف الناس من غير المسلمين بناء على سلوكات وتصرفات الموصوفين وليس بناء على أحكام وأهواء الواصفين
