استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

لسنا أحرارًا كما نظنّ…



           لسنا أحرارًا كما نحبّ أن نُقنع أنفسنا، ولا نتحرّك في هذا الوجود بإرادةٍ خالصةٍ من كلِّ تأثير، فحريّتنا – وإن وُجدت – محاطةٌ بأسوارٍ خفيّةٍ لا نراها، لكنها تتحكّم في اتجاه خطواتنا أكثر مما نظنّ.
           فالإنسان لا يولد صفحةً بيضاء، بل يولد أيضًا في سياقٍ معيّن، في بيئةٍ تسبقه إليه، وتبدأ في الكتابة فيه قبل أن يمتلك القدرة على الاختيار أو الاعتراض.
       نحن أبناءُ ما نُخالِط، وأثرُ ما نسمع، وظلُّ ما نراه يتكرّر أمام أعيننا.
           الكلمات التي تتردّد على مسامعنا منذ الطفولة لا تذهب أدراج الرياح، بل تتسلّل إلى وعينا الباطن، وتستقرّ فيه كحقائق غير قابلة للنقاش.
وكم من فكرةٍ لم نخترها، لكنها اختارتنا لأنّها تكرّرت حتى أصبحت جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.
إنّ البيئة كما أنها مثل مكانٍ نعيش فيه، أنها منظومةٌ متكاملةٌ من القيم، والتوقّعات، والأحكام المسبقة أيضا.
         هي لغةٌ خفيّةٌ نتعلّمها دون دروس، ونحفظها دون وعي، ثم نُعيد استخدامها في الحكم على أنفسنا وعلى غيرنا.
وحين تكثر في البيئة رسائل التثبيط، يصبح الطموح خروجًا عن المألوف، وتُصوَّر الجرأة على أنّها تهوّر، ويُعاد تعريف السلامة بأنّها البقاء في المنطقة الضيّقة الآمنة.
         في مثل هذه البيئات، يتعلّم الإنسان كيف يُصغّر أحلامه قبل أن تُصغَّر له، وكيف يُخفف سقف آماله حتى لا يُتَّهم بالمبالغة أو الجنون.
فيتخلّى عن كثيرٍ من إمكاناته لا لأنّه عاجز، بل لأنّ المحيط أقنعه بأنّ المحاولة لا تستحقّ العناء، وأنّ الفشل عارٌ لا تجربة.
وعلى الجانب الآخر، حين ينشأ الإنسان في بيئةٍ تؤمن بالقدرة الإنسانية، وتنظر إلى الخطأ باعتباره خطوةً في طريق التعلّم، لا نهاية الطريق، تتشكّل داخله علاقةٌ صحيّةٌ مع الطموح.
فيتعلّم أن يجرّب دون خوف، وأن يسقط دون أن يحتقر نفسه، وأن ينهض وهو أكثر وعيًا بقيمته.
فالفرق بين الإنسان الجريء والمتردّد ليس في الذكاء ولا في الموهبة فقط، بل في نوع الرسائل التي تلقّاها حين حاول للمرة الأولى.
نحن لا نولد بسقفٍ محدّدٍ لما نستطيع أن نكونه، بل نُشيِّد هذا السقف حجراً حجراً من خلال ما يُقال لنا عن حدودنا، وما نسمعه عن إمكاناتنا، وما نراه من نماذج حولنا.
فحين لا يرى الإنسان أمامه من يشبهه وقد نجح، يبدأ في تصديق أنّ النجاح ليس له.
وحين تُقدَّم له صور الفشل باعتبارها قدرًا لا مفرّ منه، يتصالح معه قبل أن يقاومه.
ولهذا لا يُدهشنا أن نرى أشخاصًا يمتلكون القدرات نفسها، وربما الأحلام ذاتها، لكنّهم يسلكون مسارات متباعدةً في الحياة.
أحدهم نشأ في محيطٍ يزرع الثقة في داخله كلّما تردّد، ويمنحه الإيمان بذاته حين يشكّ في نفسه، فكبر وهو يشعر أنّ له مكانًا في هذا العالم.
وآخر كبر في بيئةٍ تُمارس القمع النفسي باسم الواقعية، وتقصّ أجنحته باسم الخوف عليه، فتعوّد أن يمشي حيث كان يمكنه أن يطير.
نحن في حقيقتنا مزيجٌ دقيقٌ بين الداخل والخارج؛
بين ما نحمله في نفوسنا من استعدادات فطرية، وما يغذّيه الواقع من حولنا من أفكارٍ وتوجّهات.
ولهذا فإنّ البيئة لا تلغي الإرادة، لكنها إمّا أن تُنمّيها أو تُرهقها، إمّا أن تمنحها أرضًا صلبةً تقف عليها، أو تتركها تقاوم وحدها في أرضٍ رخوة.
إنّ اختيار ما نُخالِط، وما نسمع، وما نُدخله إلى عقولنا ليس أمرًا ثانويًا، بل هو اختيارٌ لمن نكون في الغد.
فالبيئة التي تسمح لك بأن تكون ضعيفًا دون إهانة، وبأن تكون حالمًا دون سخرية، وبأن تكون مختلفًا دون إقصاء، هي بيئةٌ تُعيد إليك إنسانيّتك قبل أن تصنع إنجازك.
أمّا البيئة التي تُشكّك في قيمتك، وتُقلّل من شأن أحلامك، وتربط قبولك بالتنازل عن ذاتك، فهي تزرع في روحك حدودًا لم تخترها، ثم تطلب منك أن تعيش داخلها.
ولذلك، فإنّ أوّل خطوةٍ في طريق التغيير ليست تغيير العالم كلّه، بل الوعي بتأثيره علينا.
أن نُدرك أنّ كثيرًا من مخاوفنا ليست أصيلة، وأنّ بعض قيودنا ليست من صنعنا.
وحين نصل إلى هذا الوعي، تبدأ الحرية الحقيقية: حرية أن نختار ما نسمعه، ومن نصاحب، وأيّ بيئةٍ نسمح لها أن تُعيد تشكيلنا.
فانتبه لما تُكرّره في حياتك من أصواتٍ وأفكارٍ ووجوه، لأنّك مع مرور الزمن ستصبح صورةً عمّا اعتدت عليه، لا عمّا تمنّيته في لحظة صدقٍ مع نفسك.
واذكر دائمًا: قد لا نملك البداية، لكنّنا نملك – إن وعينا – أن نختار الاستمرار، وأن نصنع لأنفسنا بيئةً تُشبه الإنسان الذي نطمح أن نكونه.


ابو خالد 

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.