استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

الظلم القضائي وتقييد حرية التعبير في الهند


           لقد كتب المفكر البريطاني الشهير جون ستيوارت مِل قولته الخالدة:
العدالة المتأخرة هي في حقيقتها عدالة منقوصة، بل صورة من صور الظلم،
وهذا القول ينطبق اليوم – بكل أسف – على الواقع القضائي في الهند.
        فبعد ما يقارب ثمانين عامًا على الاستقلال، لا يزال النظام القضائي الهندي أسيرًا للنموذج الاستعماري الذي فرضه البريطانيون، دون أي محاولة جادة لإحياء أحد أقدم النظم القضائية في العالم، وهو النظام الهندي الأصيل نفسه. ولم يُسجَّل في تاريخ الهند الحديث أن رئيس وزراء واحدًا امتلك الشجاعة أو الرؤية لتفكيك هذا الإرث الاستعماري وإقامة عدالة نابعة من روح البلاد ولغاتها وثقافتها.
            ونتيجة لهذا الجمود البنيوي، ترزح المحاكم الهندية اليوم تحت عبء أكثر من خمسين مليون قضية معلّقة.       القضايا التي يفترض أن تُحسم خلال أيام أو أسابيع، تستغرق ثلاثين وأربعين عامًا، وفي كثير من الأحيان يموت القاضي، والمحامي، والمدّعي، ويبقى الحكم مؤجلًا، بينما يقضي الأبرياء أعمارهم خلف القضبان، ثم يُعلن بعد سنوات طويلة أنهم لم يرتكبوا ذنبًا.
فلماذا يحدث هذا؟
لأن القضاة – في نهاية المطاف – بشر، فكم قضية يمكن لقاضٍ واحد أن ينظر فيها خلال يوم واحد؟ في حين لا تزال آلاف المناصب القضائية شاغرة. وتشير تقارير لجنة القانون إلى أن عدد القضاة في الهند لا يتجاوز عشرين ألف قاضٍ، في حين أن الحاجة الفعلية – بحسب التقديرات الرسمية – تصل إلى مئتي ألف قاضٍ.
غير أن الأزمة ليست أزمة أرقام فحسب، بل أزمة رؤية. فلو أُجريت المرافعات وصيغت الأحكام باللغات الهندية المحلية، لأصبحت العدالة أسرع، وأكثر شفافية، ولما احتاجت البلاد إلى هذا العدد الهائل من القضاة. فالهند تضم نحو 1.8 مليون محامٍ، وهم كُثر بما يكفي، لكن هيمنة اللغة الإنجليزية خلقت حاجزًا مصطنعًا بين القضاء والمواطن، وجعلت العدالة معقدة، بعيدة، وسهلة التلاعب.
إن اعتماد اللغات المحلية في المحاكم سيُمكّن المتقاضين من فهم ما يُقال باسمهم وضدهم، ويقلل من فرص الخداع والاستغلال. لكن من يمتلك الجرأة لإحداث هذا التحول الجذري؟
لا يفعل ذلك إلا قائدٌ متحرر من عقدة النقص، وصاحب رؤية حقيقية لبناء دولة قوية ذات سيادة. ولو وُجد مثل هذا القائد في الهند المستقلة، لكان النظام القضائي قد أُصلح منذ زمن بعيد. غير أن معظم القادة، للأسف، خاضعون لهيمنة بيروقراطية خفية وغير مرئية، حتى بات هذا الخضوع يبدو وكأنه أمر طبيعي.
ولو كان الوعي حاضرًا، فهل كانت القوانين الأساسية في البرلمان الهندي لا تزال تُصاغ وتُقرّ باللغة الإنجليزية؟
إن الدول التي تحررت فعليًا من الاستعمار تضع قوانينها بلغاتها الوطنية، ولذلك يكون العدل فيها ميسورًا، سريعًا، ومتاحًا للجميع. فمتى يأتي اليوم الذي تنعم فيه الهند بعدالة كهذه؟
عمر خالد: رمز القمع القضائي والانتقام السياسي
في التاريخ السياسي الحديث للهند، أصبح اسم عمر خالد رمزًا صارخًا للقمع القضائي والانتقام السياسي الذي يلتهم روح الديمقراطية.
فأكثر من 1825 يومًا قضاها في زنزانة مظلمة بسجن تيهار، تمثل مرثية صامتة للدستور الهندي الذي كفل لكل مواطن حق الحياة والحرية.
منذ سبتمبر 2020 وحتى مطلع عام 2026، ظل عمر خالد خلف القضبان دون إدانة قضائية واحدة، في مشهد يكشف أن الهند لم تعد تُحكم بسيادة القانون، بل أصبح القانون أداة بيد السلطة.
لقد تحولت الكفالة إلى استثناء، والسجن إلى عقوبة دائمة، رغم أن المحاكمة لم تبدأ أصلًا. فأي منطق قانوني يبرر هذا الحرمان الطويل من الحرية؟
الاهتمام الدولي والإنكار الرسمي
لم يعد هذا الملف شأنًا داخليًا بحتًا. ففي 30 ديسمبر 2025، وجّه ثمانية مشرعين ديمقراطيين أمريكيين – من بينهم جيم ماكغفرن، جيمي راسكن، براميلا جايابال، ورشيدة طليب – رسالة إلى السفير الهندي في واشنطن، لم تكن مجرد خطاب دبلوماسي، بل لائحة اتهام أخلاقية للنظام القضائي الهندي.
وقد أكدوا بوضوح أن استخدام قوانين صارمة مثل قانون الأنشطة غير المشروعة (UAPA) لإسكات المعارضين السياسيين لا يليق بأي ديمقراطية محترمة. كما أن رسالة عمدة نيويورك زهران ممداني الشخصية إلى عمر خالد تشير إلى أن قضيته باتت معترفًا بها عالميًا.
في المقابل، جاء رد فعل الحزب الحاكم (BJP) دليلاً على إفلاس أخلاقي، إذ حاول ربط هذا القلق الدولي بمؤامرات خارجية أو بتحركات المعارضة، في محاولة بائسة للهروب من جوهر القضية. فإذا كانت الأدلة قوية حقًا، فلماذا لم تبدأ المحاكمة بعد خمس سنوات؟
الحقيقة أن مواد قانون UAPA تحولت إلى قفص حديدي تحتفظ السلطة بمفتاحه، بينما تقف العدالة متفرجة.
قمع حرية التعبير بالأرقام
تزداد الصورة قتامة عند النظر إلى الأرقام.
فوفق تقرير Free Speech Collective لعام 2025، سُجلت 14,875 اعتداءً على حرية التعبير في الهند خلال عام واحد.
ثمانية صحفيين قُتلوا، 117 شخصًا سُجنوا بسبب آرائهم، آلاف الحسابات الرقمية خضعت للرقابة… فكيف يمكن لدولة كهذه أن تزعم أنها أكبر ديمقراطية في العالم؟
وتحذر منظمات مثل مراسلون بلا حدود وهيومن رايتس ووتش من أن الصحافة في الهند تتعرض لخنق ممنهج، وأن القوانين الجديدة الخاصة بالأجانب والهجرة ليست سوى محاولة لتجميل صورة قاتمة أمام العالم.
خاتمة: اختبار الضمير الهندي
إن قضية عمر خالد ليست قضية فرد واحد، بل معركة ضد عقلية ترى في الاختلاف خيانة، وفي السؤال جريمة.
فإذا حُرم عمر خالد وشرجيل إمام وخالد سيفي وغيرهم من حقهم في محاكمة عادلة وكفالة قانونية، فإن التاريخ سيكتب أن العدالة في الهند القرن الحادي والعشرين أصبحت خادمة للأقوياء.
لن تُجدي الضغوط الدولية ولا نداءات المنظمات الحقوقية نفعًا ما لم يستيقظ الضمير الهندي نفسه.
لقد آن الأوان لأن تنزع الدولة نظارات الانتقام السياسي، وتحتكم إلى الدستور، وإلا فإن هذه السجون لن تبتلع الأجساد فقط، بل ستدفن معها مستقبل الديمقراطية ذاتها.


ابو خالد 


دعم:

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
كيف يقضي الإنسان حياته في عقوبة حقيقية في انتظار أن يتم التحقيق في جريمة مفترضة !!!؟؟
إن ذلك لظلم منظم مضروب في جهل متعمد!!

Post a Comment

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.