يذكر القرآن الكريم في سورة البقرة سُنَّةً من سنن الله الجارية في الأمم، حين تحدَّث عن بني إسرائيل فقال:
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.
وهذه الآية الكريمة إنما هي كشفٌ عن قانونٍ نفسيٍّ وأخلاقيٍّ عميق، يتكرر كلما تكررت أسبابه، ويظهر كلما وُجدت مقدماته.
إن كثيرًا من القراءات السطحية تفهم الذلة والمسكنة الواردتين في الآية على أنهما حالة مادية خارجية: فقر، ضعف، قهر سياسي، أو هزيمة عسكرية. غير أن التدبر العميق في سياق القرآن، وفي طبيعة التعبير، يدل دلالة واضحة على أن المقصود أولًا وأساسًا هو الذل النفسي والمسكنة الداخلية، لا الذل الظاهر فحسب.
فالذلة النفسية هي أن يشعر الإنسان في أعماقه بالهوان، حتى وإن كان ظاهرُه مرفوعًا، والمسكنة النفسية هي أن يحس بالاحتياج والضَّعة في داخله، وإن كان يمتلك أسباب الغنى والقوة في الواقع. إنها حالة يعيشها الإنسان في باطنه، قبل أن تنعكس – أو لا تنعكس – على ظاهره.
وهذه الحالة النفسية لا تولد من فراغ، وإنما تنشأ في المجتمعات التي تُصاب بمرضٍ خطير، هو مرض الفخر الوهمي؛ ذلك الفخر الذي لا يقوم على عملٍ حاضر، ولا على إنجازٍ واقعي، بل يتغذى على اعتقاد التفوق الذاتي، وعلى تمجيد الماضي، وعلى العيش في ظلال أمجاد منقضية.
فالأمة التي ترى نفسها – عقديًا أو تاريخيًا – «خير الأمم» أو «شعب الله المختار»، ثم تعجز عن ترجمة هذا الادعاء إلى واقعٍ أخلاقي وعلمي وحضاري، تعيش صراعًا داخليًا حادًا بين الصورة المتخيلة عن ذاتها، والواقع الفعلي الذي تعيشه. ومن هذا الصراع تتولد الذلة النفسية، لأن الواقع يخذل الوهم، ولأن الحاضر لا يرقى إلى مستوى الصورة الذهنية المتعالية.
لقد ابتُلي بنو إسرائيل بهذا الداء حين جعلوا الانتساب، لا الالتزام، أساس التفاضل، وحين تحوَّل الدين في وعيهم من رسالة مسؤولية إلى رصيد فخرٍ تاريخي. فكان الجزاء أن ضُربت عليهم الذلة والمسكنة، لا لأنهم كانوا فقراء بالضرورة، بل لأنهم فقدوا التوازن النفسي بين ما يدَّعون وما يعملون.
وهذه السُّنَّة ذاتها تتكرر اليوم في واقع الأمة الإسلامية. فقد انتقلت عدوى الفخر الوهمي من اليهود في الزمن القديم، إلى المسلمين في الزمن الحديث.
فالمسلمون اليوم يزيد عددهم على مليار نسمة، وتقوم لهم دول وحكومات في أكثر من سبعٍ وخمسين دولة، ويملكون من الثروات الطبيعية والطاقات البشرية ما لا تملكه أمم كثيرة. ومع ذلك، يعيش المسلم – من حيث الشعور العام – حالة ذلٍ نفسي ومسكنة داخلية.
إن المسلم المعاصر لا يشعر بالكفاية، ولا بالرضا، ولا بالثقة الحضارية، رغم ما بين يديه من إمكانات. والسبب في ذلك ليس نقص الموارد، وإنما اتساع الفجوة بين الفخر المتخيل والواقع العملي. فما يملكه المسلم اليوم يبدو في عينه قليلًا، لا لأنه قليل في ذاته، بل لأنه يُقاس بمقاييس وهمية صنعتها الذاكرة التاريخية، لا معايير الواقع.
فالماضي المجيد، حين يتحول من مصدر إلهام إلى معيار قاسٍ يُجلد به الحاضر، يصبح عبئًا نفسيًا قاتلًا. وحين تتحول العقيدة من دافع للعمل إلى مبرر للتعالي، تفقد الأمة طاقتها الأخلاقية، وتغرق في شعور دائم بالحرمان، ولو كانت تمتلك الكثير.
وهكذا يتبين أن الذلة والمسكنة ليستا دائمًا نتيجة الهزيمة، بل قد تكونان سببًا لها. فالأمة التي تُهزم نفسيًا، تُهزم حضاريًا، قبل أن تُهزم عسكريًا أو سياسيًا. ومن لم يتحرر من الفخر الوهمي، لا يمكنه أن يبني فخرًا حقيقيًا قائمًا على الإنجاز والعمل.
إن القرآن حين يذكر هذه السنن، لا يذكرها للتشفي، ولا للسرد التاريخي، وإنما للتحذير والتربية. فهو ينبه الأمة المؤمنة إلى أن الانتساب وحده لا يحمي، وأن التاريخ وحده لا ينقذ، وأن الشعارات الكبرى إذا لم تُدعَم بعملٍ واقعي، تنقلب من نعمة إلى نقمة.
فالخلاص من الذلة والمسكنة لا يكون بادعاء المجد، بل بصناعته، ولا بتقديس الماضي، بل بفهمه والبناء عليه، ولا بالفخر الوهمي، بل بالكرامة الناتجة عن الصدق مع الله، والعدل مع الناس، والعمل الجاد في واقع الحياة.
ابو خالد
