ليست السماحة تصرّفًا عابرًا، بل صفاءٌ في القلب يغيّر طريقة رؤيتنا للناس وللحياة. فبسلامة النية تتحوّل المواقف القاسية إلى فرصٍ للأجر، وتتحوّل الخصومة إلى مساحة رحمة.
صفاء النية أن يعمل الإنسان الخير دون انتظار ثناء، وأن يُحسن الظن ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وأن يفسّر أفعال الناس بأجمل الاحتمالات ما لم يظهر خلاف ذلك بيقين. والسماحة هي الثمرة العملية لهذا الصفاء؛ فهي العفو عند المقدرة، والحلم عند الغضب، والإحسان عند الإساءة.
ومن أروع ما يُروى في هذا الباب ما كان من طلحة بن عبد الرحمن بن عوف، وكان من أجود قريش في زمانه. قالت له زوجته يومًا: ما رأيت قومًا أشد لؤمًا من إخوانك؛ إذا اغتنيت لزموك، وإذا افتقرت تركوك. فقال: هذا والله من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بحقهم.
هذا التأويل النبيل يكشف روحًا نقيّة اختارت أن ترى الوجه الحسن من الفعل، وأن تحمل الناس على أجمل المحامل. وقد علّق الإمام الماوردي على هذه القصة بأن صاحبها حوّل قبيح الفعل حسنًا بسلامة صدره، وجعل ظاهر الجفاء وفاءً بحسن ظنه.
ومن أعظم صور السماحة ما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع مسطح بن أثاثة. فبعد أن خاض مسطح في حادثة الإفك، غضب أبو بكر وحلف أن يقطع عنه النفقة، وكان من فقرائه وأقاربه. فنزل قول الله تعالى:
“ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم”
فما كان من أبي بكر إلا أن قال: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، وأعاد له نفقته.
هنا تتجلّى السماحة في أبهى صورها: إساءة مؤكدة، وأذى شخصي، وقدرة على العقوبة، ثم عفو مقرون بإحسان.
إن صفاء النية سرّ قيمة العمل، وقد قال النبي ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات”. وبطهارة القصد يسمو الفعل ولو كان صغيرًا. وصاحب القلب السليم أهدأ الناس نفسًا؛ لأنه يعفو فيرتاح، ويُحسن الظن فيسلم، ويترك الناس دون أعباء في صدره.
السماحة بين الفردية والمسؤولية العامة :
هذه المعاني الرفيعة تتعلّق في أصلها بالسلوك الفردي والعلاقات الشخصية. أمّا حين يكون الإنسان في موقع يمثّل جهة اعتبارية أو مؤسسة عامة، فإن المسؤولية تتّسع، ويصبح الالتزام بالأنظمة والحوكمة وحفظ الحقوق واجبًا لا مجال فيه للمجاملة أو التساهل. فالسماحة هنا لا تعني التفريط، وصفاء النية لا يُغني عن دقة الإجراءات؛ بل يتحول الخلق إلى عدلٍ منضبط، وإنصافٍ يحفظ الحقوق، وتعاملٍ إنساني لا يخلّ بالأمانة.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا التوازن: قلوبٌ نقية، وعقولٌ منضبطة، وسلوكٌ يجمع بين الرحمة والعدل. فحين يصفو القلب ولا يضعف الميزان، تستقيم العلاقات ويستقيم معها العمل.
وفي الختام، فإن سلامة الصدر ليست خُلُقًا زائدًا، بل طريق نجاة. بها يربح الإنسان راحته في الدنيا، ويرجو بها رحمة الله في الآخرة. فلنُربِّ قلوبنا قبل أقوالنا، ولنُصلح نياتنا قبل أعمالنا، ولنجعل لنا نصيبًا دائمًا من هذا الدعاء القرآني العظيم:
“ربنا لا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا”
فالقلب السليم موطن السكينة، ومنبع النور، وجواز المرور إلى جناتٍ جُمعت فيها القلوب على الصفاء
زياد ريس
٣٠/١/٢٠٢٦
دعم:
بارك الله فيك أستاذ زياد، حقا إذا انتشرت مخرجات هذه المنظومة الأخلاقية التي تعزز الثقة بين الافراد والجماعات والمؤسسات، فإن رجعها بعد حين من الصبر عليها- يحقق لكل الأفراد صمام الأمان الإجتماعي والنفسي: فيعلم كل واحد منهم وكل فئة أن حقوقهم لن تهضم أو تضيع.. وحتى لو تأخرت أو عرقلتها تجاوزات طارئة، فإن أبسط مطالبة بها كافية لتحرك حازم من المؤسسات لإيصالها كاملة غير منقوصة...
وهذا ما يدفع الناس الى القيام المخلص بواجباتهم من دون رقابة كل واحد على حدة!!
فتتفعل دورة المسؤولية الى أن تصبح حلقة محكمة!!
أما النموذج المعاكس: حيث كل فرد ذئب أو خروف الى أن يثبت العكس، فلا يحصلون سوى على ما بأنفسهم
