يفتتح القرآن سورة براءة بإعلان حاسم لإنهاء العهود واستلال السيف. قد يبدو الأمر في ظاهره قسوة، لكن التدبر في حيثيات الأمر يكشف عن الخلفية الأخلاقية والواقعية التي استوجبت هذا الحسم. إنه رد فعل ضروري تجاه عدو أسقط كل الخطوط الحمراء (الإنسانية والتعاقدية). هذا المقال يتناول مبررات الردع، وكيف بينت الآيات أن العداء ليس شخصياً بل هو حرب على الهوية.
الآية العمود: سقوط الحصانة.. لا يرقبون في مؤمن
إن الآية التي تُشرِّع المواجهة الشاملة وتبرئ ساحة المؤمنين هي قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (10).
يقرر ابن عاشور رحمه الله أن هذا الغدر ليس حدثاً طارئاً، بل هو «خُلُق متأصل فيهم»، وأن وصفهم بـ (المعتدين) هو « أي: هم المعتدون لا أنتم».
فالتحرك الإسلامي ليس عدواناً، بل هو ردع للمعتدي الذي بدأ بالخيانة.
حرب الهوية: الآية (10) تشرح الآية (8)
لماذا يكرهوننا؟ هل هي ثارات قبلية؟
في الآية (8) قال تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾، وفي الآية (10) قال: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾.
يلتقط ابن عطية رحمه الله هذا التحول اللفظي الخطير، مبيناً أن الآية العاشرة جاءت لتبين علة العداء، فيقول:
«وقوله أولاً {فيكم} كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن [الأحقاد] التي وقعت، فزال هذا الاحتمال بقوله {في مؤمن}، إعلاماً بأن عداوتهم إنما هي بحسب الإيمان فقط».
فالاستهداف ليس لأشخاصكم ولا لأنسابكم، بل هو استهداف للإيمان الذي في صدوركم. إدراك هذه الحقيقة يحمي الناهض من تقديم تنازلات ساذجة؛ فالصراع هنا صراع وجودي وعقدي لا يزول إلا بزوال الإيمان أو بكسر شوكة العدوان.
الهوة الأخلاقية: لؤم الطبع وغياب المروءة
لماذا لا يجدي معهم إلا السيف؟
يجيب القشيري رحمه الله موضحاً الطبيعة العدوانية للخصم:
«وَصَفَهم بلؤم الطبع... فلو ظَفِرُوا بكم واستولوا عليكم لم يُراعوا لكم حُرْمةً... وفي هذا إشارة إلى أنَّ الكريمَ إذا ظَفِرَ غَفَرَ، وإذا قدر ما غَدَرَ».
هنا يتجلى الفرق الهائل: هم يقاتلون بلؤم وغدر، والمؤمن يقاتل بكرم وعفو عند المقدرة.
الغاية النبيلة: السيف خادم الكلمة
ورغم كل هذا الغدر، يبقى الباب مفتوحاً لمن أراد الحق، كما في الآية (6): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ... اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾.
وهذا دليل قاطع على أن القتال ليس للانتقام، بل لكسر حاجز الصد الذي يمنع الناس من السماع. نحن نقاتل لنحمي حق الإنسان في المعرفة.
الخاتمة: انقلاب الأخوة
وتظل عظمة الإسلام في قدرته على محو العداوة فوراً. فبمجرد التوبة ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. يسقط السيف، وتمحى الأحقاد، ويتحول العدو اللدود إلى أخٍ ودود.
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
دعم:
صدق الله، وكذبت إدعاءاتهم..
ولقد صدق الواقع التاريخي والراهن كل كلمة قرآنية في الموضوع..
ثم يكذبون بقلب حقيقة الإتهام!!
فمن يعتدي على من!!؟؟
ومن تخلو رؤيته الجذرية للإنسان وللحياة من الرحمة والعدالة بالمرة!!!؟؟
كانت سورة التوبة حقا وقاية مبكرة من كل هذا الظلم الذي راكموه في العالم..
بارك الله سعيكم وفهمكم أستاذنا الكريم
