استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

نحو قمة حضارية مستدامة: تحويل التمكين من مرحلة إلى بنية


اختراق الحتمية التاريخية:

تسير معظم الحضارات في مسار دوري محتوم: النشوء، الارتقاء، الذروة، ثم الأفول. لكن التاريخ يكشف أيضاً عن نماذج استثنائية استطاعت كسر هذه الدائرية، محوِّلة ذروتها إلى حالة مستدامة. يطرح هذا المقال إطاراً للتحول من التمكين الحضاري كـ"مرحلة تاريخية" عابرة إلى "بنية دائمة" قادرة على تجنب الانهيار الكلاسيكي.

تحليل الإشكالية: التمكين الهش

تسقط الحضارات عندما يقوم تمكينها على مقومات استنزافية قابلة للنضوب:

· فائض القوة المؤقت
· وفرة الثروة العابرة
· تفوق تقني قابلة للتقادم
· هيمنة سياسية مرتبطة بظرف

هذه كلها مخرجات، والمخرجات بطبيعتها مؤقتة. التمكين المستدام لا يقوم على النتائج الجاهزة، بل على آليات توليد النتائج باستمرار. بعبارة أخرى: ليس المهم أن تكون قويًا اليوم، بل أن تبقى قادرًا على إعادة إنتاج القوة غداً دون تدمير ذاتك.

الشروط الأربعة للاستمرارية الحضارية

الشرط الأول: كسر وهم الاكتمال

أخطر لحظة في مسيرة أي حضارة هي تلك التي تعلن فيها: "اكتمل نموذجنا". عندها يبدأ التكلس الفكري والمؤسسي. التمكين المستدام يفترض مبدئياً أن:

· النموذج دائم التطور وغير مكتمل
· الخطأ جزء بنيوي وليس عارضاً عرضياً
· المراجعة النقدية وظيفة دورية وليست أزمة طارئة

الحضارة التي تفتقد آلية مؤسسية للنقد الذاتي تبدأ العد التنازلي لانحدارها منذ لحظة ذروتها الظاهرية.

الشرط الثاني: فصل القيمة عن حاملها

ينبعث سبب رئيسي للانهيار من ربط القيم الحضارية العليا بحوامل بشرية أو مؤسسية قابلة للزوال: طبقة حاكمة، سلالة، أيديولوجيا مغلقة. التمكين المستدام يتطلب:

▫️ أن تعلو القيم على السلطة
▫️أن تكون السلطة قابلة للتداول دون انهيار المعنى الحضاري
 ▫️أن تتحول المبادئ إلى مؤسسات وليس إلى أشخاص

إذا كانت "العدالة" تنهار بسقوط حاكم، فهذه ليست حضارة بل ديكور أخلاقي مؤقت.

الشرط الثالث: إدارة التناقض لا إلغاؤه

هوس "التماثل التام" و"الانسجام الكامل" علامة شيخوخة حضارية. الحضارة الحية:

· تحتضن تعددية الرؤى وتنوع المناهج
· تنظم ساحات الصراع الفكري والسياسي ولا تلغيها
· تتعامل مع التوترات الداخلية كطاقة حركة لا كمرض استثنائي

الحضارة التي تطارد الوحدة المطلقة تخنق الإبداع وتنتج نفاقاً عاماً، وبهذا تبدأ في الانهيار الهادئ غير المحسوس.

الشرط الرابع: تأسيس أخلاقيات القوة

القوة التي لا تُقيد بضوابط أخلاقية مؤسسية تستهلك نفسها ذاتياً. والأخلاق التي لا تترجم إلى آليات رقابية تبقى خطباً منبرية. التمكين المستدام يحتاج:

▪️ أخلاقاً تُقيّد الفعل القوي ولا تبرره
▪️ مؤسسات تراقب السلطة بغض النظر عن شرعيتها الظاهرية
▪️توازناً بين المصلحة والقيمة، حيث لا تُضحى الثانية بالأولى

عندما تصبح "المصلحة" الإله الأخير، يبدأ الانحدار حتى مع ازدهار المؤشرات المادية.

الإطار العملي: من النظرية إلى التطبيق

النماذج التاريخية الاسترشادية:

▫️الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها: حولت الانفتاح على تراث الأمم إلى آلية للإضافة والإبداع المستمر.
▫️الحضارة الصينية: طورت قدرة فريدة على التكيف مع المحن مع الحفاظ على الاستمرارية الجوهرية.

مقومات التحول البنيوي:

1. التوازنات الحيوية:
    ▫️بين الأصالة والمعاصرة
   ▫️بين الفردية والجماعية
    ▫️بين الحرية والمسؤولية
   ▫️بين المحلية والعالمية
2. منظومة التصحيح الذاتي:
    ▫️مؤسسات قابلة للإصلاح من الداخل
   ▫️قيادة متجددة عبر آليات واضحة
   ▫️مشاركة شعبية واسعة في صنع القرار الاستراتيجي
3. الرؤية عبر الأجيال:
   ▫️تخطيط يتجاوز الأمد القصير
   ▫️استثمار في المستقبل غير الملموس (البحث، التعليم، القيم)
   ▫️استعداد للتضحية المؤقتة لمكاسب مستقبلية

الخلاصة: من الثبات إلى الاستمرارية الديناميكية

التمكين الذي يظل مرحلة زمنية سينحدر، والذي يقتصر على قمة سياسية سينقلب، والذي يتحول إلى إنجاز تاريخي فحسب سيتآكل.

أما التمكين الذي يتحول إلى:

▫️منظومة قيم حاكمة مؤسسية
▫️ آليات تصحيح ذاتي فاعلة
▫️ قدرة مستمرة على إعادة التوازن

فهو لا "يثبت" بمعنى الجمود، بل يتجدد دون انهيار. هذه الاستمرارية الديناميكية ليست خلوداً – فليس هناك خلود في التاريخ – بل هي أقصى ما تسمح به قوانين التطور الحضاري: ذروة متجددة، وقمة لا تنحدر لأنها تصعد باستمرار مع كل تحدٍ تواجهه.

القوة الحضارية المستدامة تكمن في تحويل التحديات من تهديدات للوجود إلى وقود للتجديد، وفي تحويل الذروة من نقطة ثابتة في الزمن إلى منحنى صاعد عبر الأزمان.


كتابة: د.عائشة مياس



دعم:

رؤية عميقة بآليات متينة..

لاحظ المفكر الألماني (شبنجلر) شيئا من ذلك بخصوص منحنى الحضارة الإسلامية:
إذ رآه-على شكل الرسم التخطيطي للقلب الحي:
يصعد وينزل باستمرار لكن لا يصل الى حد الموت التام(الخط المتصل)
أي يخضع هذا المنحنى الكلي (الضام لجميع المراحل ) يخضع نسبيا لحتمية الدورة الحضارية لكن ينفك منها قبيل الإحكام التام!!
لذلك لم تنقرض الحضارة الإسلامية!!

ولكن يمكن اعتبار الحضارة الرأسمالية أيضا (خلال خمسة قرون) حضارة هبائية !! Chaoitique(بتعبير د.سوزان رسول:1993)!!

أي ديناميكية سيالة عكس الماركسية التي كانت شمولية مغلقة من الجانبين!!

ولكن،، لابد من جدار تصطدم به الهبائية عند التعدي اللارجعي لعتبة التوازن الشامل كوكبيا!!
فيعاني جميع أفراد ومنظومات المجال الحيوي ثمن سيولة الرأسمالية!!

ولابد للحياة المتجددة لكن غير المكتملة في النموذج الإسلامي من الإختيار 
بين الإستسلام للحد الادنى الى ما لانهاية فتساهم بذلك في تغول الرأسمالية وصعود نماذج غير مهتمة أساسا بالتوازن الكوكبي إلا من داخل هيمنتها!!

أو تختار  الحد الأعلى (مستعينة بالرؤية والآليات كهذه التي في هذا المقال) وتستكتب الذين عندهم نفس الهم التخصصي والفلسفي والأخلاقي لبلورة الخطط في الوقت بدل الضائع هذا

ألف شكر على حسن اختيار وصياغة الموضوع
 

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.