في هذا المقطع الحاسم من سورة التوبة، تنتقل الأمة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الجراحة لاستئصال رؤوس الفساد ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. وهنا يضع القرآن الناهض أمام مسؤولية وجودية كبرى: الله قادر على إهلاكهم بكلمة كُن، لكنه اختار أن يعذبهم بأيديكم. هذا المقال يقرأ في معنى أن تكون يد المؤمن هي أداة القدرة الإلهية، وكيف يتحول القتال من ثأر شخصي إلى شفاء للصدور وإقامة للعدل.
الآية العمود: الشرف الوجودي.. يعذبهم الله بأيديكم
إن الآية التي تمنح المقاتل والمصلح هويته القدرية هي قوله تعالى: ﴿قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اُ۬للَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٖ مُّومِنِينَ﴾ (14)
هنا تلتقي فلسفة الائتمان عند طه عبد الرحمن مع بصيرة الشعر عند محمد إقبال. فيدك ليست ملكك لتضرب بها عن هوى، بل هي أمانة وضعت في خدمة الحق لتكون يداً لقدرة الله عز وجل.
ويترجم محمد إقبال رحمه الله هذا الأثر الكوني لحركة المؤمن في قصيدة دعاء طارق بأبيات مزلزلة، واصفاً هيبتهم:
*«ينشق البحر والصحراء من ركلات خيلهم ... وترتعد الجبال وتصير حطاماً من هيبتهم»*.
ثم يختم دعاءه بطلب التحول الكامل للحواس لتصبح أسلحة ربانية:
*«اللهم أيقظ الهمم في الصدور ... واجعل من عين المسلم سيفاً»*.
فحين يصبح المؤمن قدر الله، فإن حركته لا تخضع لقوانين العادة، بل تشق البحار وتدك الجبال، وتتحول عينه إلى سيف نافذ، ويده إلى سوط عذاب للطغاة.
الستار البشري: الهزيمة باب الهداية
لماذا اختار الله أيدينا؟
يجيب سيد قطب رحمه الله كاشفاً عن الحكمة التربوية:
*«فيكونوا هم ستاراً لقدرة الله في تعذيب أعدائه... ثم تواجه التعلات... بأن الرجاء الحقيقي في أن يفيء هؤلاء إلى الإسلام أولى أن يتعلق بانتصار المسلمين، وهزيمة المشركين»*.
نحن ستار تعمل قدرة الله من خلفه. وقتالنا لهم ليس توحشاً، بل هو كسر للكبر الذي يمنعهم من رؤية الحق. فالسيف هنا مشرط جراح يزيل ورم الطغيان، ليفيق الطاغية من سكرته.
طب القلوب: علاج الموت الأحمر
القتال أيضاً حاجة نفسية للمجتمع المظلوم.
ويشرح الإمام الفخر الرازي رحمه الله معنى ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ﴾ قائلاً:
*«فكانوا في زحمة الانتظار، كما قيل: الانتظار الموت الأحمر، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار»*.
المجتمع المقهور مريض بالغيظ وبألم الانتظار. والعدالة الناجزة بأيدي المؤمنين هي الدواء الوحيد الذي يشفي هذا الغليل، ويعيد التوازن للصحة النفسية للأمة.
حساب الأرباح: الكرامة والنكاية
ويجمل العلامة ابن عاشور رحمه الله مكاسب هذه المعركة في معادلة مركبة، فيقول:
*«وأسند التعذيب إلى الله وجعلت أيدي المسلمين آلة له تشريفاً للمسلمين... [وهذا يضمن]: إهانة للمشركين، وكرامة للمسلمين... وشفاء صدور المؤمنين»*.
فاليد التي تضرب ليست مجرد جارحة، بل هي آلة تشريف اختارها الله لتنفيذ حكمه العادل.
الخاتمة: باب التوبة مفتوح
وبعد كل هذا الحسم، لا يغلق الله الباب، بل يقول: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ﴾. فنحن أدوات قدر للتعذيب (للمصرين المعاندين) وللرحمة (للتائبين العائدين).
كتب حسان الحميني،
والله الموفق.
دعم:
ياله من أفق للعدالة عال وعادل حتى ليصبح رحمة تشفي!!
ذلك ميزان ضبط القوة لئلا تصبح طغيانا وإفسادا !!
ولكن لابد أولا من تحقيق القوة في كل عصر بما فيه من آليات صناعة التفوق!!
ومن عجب أن ذلك نفسه لا يحصل إلا بتحقيق العدالة في داخل الأمة الواحدة!!
فلا تصير اليد يدا واحدة حتى تفوز في موازين الوفاء والثقة والامانة بين جميع افراد المجتمع
