استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

مقاصد الشريعة… حين تكون الحكمة مقصدًا للعدل

 


 
حدثني صديقي أمس عن الحادثة التي تُروى عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهي ذات دلالة عميقة، فأحببت أن أشارككم بها؛ إذ مرّ بقومٍ من التتار يشربون الخمر، فأراد بعض من معه أن ينكر عليهم، فمنعه وقال بما معناه:
دعهم، فإن الخمر تصدّهم عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال.
هذه الرواية لا تعني، بحالٍ من الأحوال، تغيير الحكم الشرعي للخمر، فهي محرّمة بنصٍ قطعي، لكنها تكشف لنا معنى بالغ الأهمية: أن الشريعة لا تُفهم بحرفية النص وحدها، بل بمقصدها ومآل تطبيقها.
فالنصوص لم تنزل لتكون ألفاظًا جامدة، وإنما جاءت لتحقيق مقاصد كبرى: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل. فإذا أدى التطبيق الحرفي في ظرفٍ ما إلى مفسدةٍ أعظم، فإن الفقه الحق يقتضي النظر إلى النتيجة، لا إلى ظاهر الفعل فقط.
ولهذا قرر العلماء قاعدة خالدة: درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، وارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما.
ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما وقع في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة، حين اشتدت المجاعة، فلم يُقم حد السرقة على من دفعته الضرورة إلى أخذ ما يسدّ رمقه. ولم يكن ذلك تعطيلًا للنص، بل فهمًا دقيقًا لمقصده؛ إذ إن الشريعة نفسها راعت حال الاضطرار، والحدود تُدرأ بالشبهات.
وهنا يظهر الفرق بين الفقه بالحروف والفقه بالمقاصد؛ فالمقصد لا يُلغي النص، بل يكشف حكمته، ويضعه في موضعه الذي يحقق العدل والرحمة.
ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى هذا الفقه، ونحن نعيش مرحلة دقيقة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة في بناء القوانين، وترسيخ العدل، وصون السلم الأهلي في مجتمعٍ متنوعٍ ومتعبٍ من آثار السنوات الماضية.
إن المقصود ليس الانتصار لرأيٍ على آخر، بل تقديم المصلحة العامة، وحفظ الحقوق، ومنع تجدد الفتنة والانقسام، وهي معانٍ نحتاج إليها اليوم في كثير من النقاشات الجارية حول الاستحقاقات الحالية من قوانين وأنظمة وإجراءات لسوريا الجديدة.
ما أحوجنا إلى أن نفهم روح الشريعة قبل حرفها، ومقصدها قبل ظاهرها؛ فالدين ليس جمودًا، بل حكمة، وليس تشددًا، بل رحمة، وليس نصوصًا تُردد فحسب، بل قيمًا تحفظ الإنسان والمجتمع.
لذلك يبقى الأصل دائمًا:
أن نفهم النص في ضوء العدل، والرحمة، والمصلحة، ومآلات الأفعال.
وهنا تتجلّى عظمة الشريعة.


زياد ريس
٩ / ٤ / ٢٠٢٦

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.