استثمر في نفسك اليوم، واجعل التعلم عادة يومية. ابدأ الآن واجعل العلم رفيقك في رحلة النجاح. تابعنا على تيليجرام!

كلمةٌ واحدةٌ غيَّرت مجرى الحياة


        إنَّ الكلمة الصادقة الخارجة من قلبِ مُربٍّ ناصح، أو عالمٍ مُشفِق، قد تُحدث في النفس انقلابًا عجيبًا، وتفتح للإنسان أبوابًا من الخير لم يكن يتخيَّلها. وربَّ كلمةٍ عابرةٍ قالها أستاذٌ لتلميذه، كانت سببًا في صناعة إمامٍ من أئمة الإسلام، وانتفع بها المسلمون قرونًا متطاولة، حتى صار أثرها ممتدًّا من الأرض إلى السماء.

وفيما يأتي نماذج مشرقة تدلُّ على عظيم أثر الكلمة الطيبة:


١- الإمام الذهبي رحمه الله

        الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي رحمه الله، إمامٌ حافظ، وعلَمٌ من أعلام الجرح والتعديل والتاريخ، يقول عن شيخه الإمام البرزالي رحمه الله:
       هو الذي حبَّب إليَّ طلبَ الحديث؛ فإنَّه رأى خطِّي 
فقال: 
     خطُّك يُشبه خطَّ المحدِّثين. فأثَّر قوله فيَّ، وسمعتُ منه، وتخرَّجتُ به في أشياء.

(الدرر الكامنة ٣/٢٣٨، تاريخ الإسلام ٥٣/٤٥٦)

         فكانت هذه العبارة اليسيرة سببًا في تعلُّق قلب الإمام الذهبي بعلم الحديث، فأنجبت الأمَّة بفضل الله تعالى مؤلفاتٍ خالدة، منها: تاريخ الإسلام، وسير أعلام النبلاء، وتذكرة الحفاظ، وميزان الاعتدال، وتهذيب تهذيب الكمال، والكاشف.


٢- الإمام البخاري رحمه الله

          أما الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، صاحب الجامع الصحيح، فإنَّ باعثه على تصنيف أصحِّ كتابٍ بعد كتاب الله تعالى كان كلمةً قالها شيخه الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله.

قال الإمام البخاري رحمه الله:
      كنَّا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب.

(التوضيح لابن الملقن ٢/٢٨، تغليق التعليق ٥/٤١٩)

       فكانت تلك الأمنية التي أطلقها الشيخ سببًا في ظهور صحيح البخاري، الذي تلقَّته الأمَّة بالقبول جيلاً بعد جيل.


٣- الإمام أبو حنيفة رحمه الله

        كان الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله في بداية أمره مشتغلاً بالتجارة، حتى مرَّ يومًا بالإمام عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله، فقال له:
      لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء؛ فإنِّي أرى فيك يقظةً وحركة.

فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
      فوقع في قلبي من قوله، فتركتُ الاختلاف إلى السوق، وأخذتُ العلم، فنفعني الله بقوله.

(عقود الجمان، مخطوط)

       لقد رأى الإمام الشعبي في ذلك الشاب ذكاءً واستعدادًا، فبثَّ فيه بكلمةٍ واحدة روحَ الطموح، فصار إمامًا من أعظم أئمة الفقه في الإسلام.


٤- الإمام الحسن بن زياد رحمه الله

         كان الإمام الحسن بن زياد رحمه الله من كبار فقهاء الحنفية، وقد لازم الإمام زفر رحمه الله، فلمَّا أكثر عليه السؤال ولم يُحسن الفهم، قال له الإمام زفر:
        لا أرى أنَّك تُفلح.
فخرج مكسور الخاطر، ثم لازم الإمام أبا يوسف رحمه الله، فكان إذا استعصى عليه الفهم قال له:
      اصبر؛ فإنَّ كلَّ ما نقص تمَّ، وكلُّ ما بدأ صغيرًا بلغ غايتَه، وإنِّي لأرجو أن تبلغ مرادك.
      فكان لكلمات التشجيع هذه أعظم الأثر في نفسه، حتى بلغ رتبة الإمامة، وصار من أئمة المذهب المعتبرين.

        إنَّ المربِّي قد يقول كلمةً لا يُلقي لها بالًا، فتُحيي هِمَّةً خامدة، أو تُوقظ موهبةً كامنة، أو تُنشئ عالمًا ربانيًّا ينتفع الناس بعلمه قرونًا طويلة.

       فيا أهل العلم والتربية، أحسنوا اختيار كلماتكم؛ فإنَّ الكلمة الطيبة قد تصنع أمَّة، وقد تُخرج للأمة إمامًا، وقد تكون سببًا في هداية قلبٍ أو بناء مستقبلٍ لا يعلمه إلا الله.
وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (الإسراء: ٥٣).

          فطوبى لمن جعل الله كلماته مفاتيحَ للخير، ومغاليقَ للشر، وكان أثره في الناس أثرًا مباركًا لا ينقطع بموته. 





أبو خالد القاسمي 
الأستاذ بالجامعة الاسلامية غلزار قرآنية كلجهينه غازي آباد الهند.

إرسال تعليق

أووپس!!
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.